من المنزل الصغير في ميدان توحيد إلى قمة عالم الاتصالات؛ سردٌ لحياة المخترع كود "رابتور"
محمد أمين شكراللهي، الفائز في الدورة الثانية لجائزة مصطفى (ص)، الذي أحدث ثورة في مجال الاتصالات الرقمية من خلال دمجه بين نظرية الأعداد وعلم التشفير، يروي في هذا النص مسيرة حياته الشخصية.
بحسب تقرير مراسل وكالة مهر، يُعرَف الأستاذ محمد أمين شكراللهي بوصفه مخترع كود "رابتور". فقد ابتكر هذا الخوارزم عام 2001، وهو أسلوب جديد في الترميز قادر على تصحيح الأخطاء واستعادتها، واستُخدم على نطاق واسع في مجالات عدة منها الاتصالات اللاسلكية ونقل البيانات وضغط المعلومات. هذا الإنجاز العلمي الكبير منح شكراللهي شهرة عالمية وكانت له آثار مهمة على قطاع الاتصالات. وفي عام 2017 اختير لنيل جائزة مصطفى (ص) تقديراً لاختراعه.
ويتحدث محمد أمين شكراللهي، الفائز بجائزة مصطفى (ص) في دورتها الثانية، في حوار مع مراسل مهر عن شغفه بالرياضيات منذ طفولته، والذي يعود إلى بيئته العائلية وسنواته الأولى، ثم يستعرض مسيرته التعليمية في ألمانيا، وكيف ارتبطت معارفه العلمية بالصناعة وريادة الأعمال في دول عدة مثل الولايات المتحدة وسويسرا.
المقابلة جاءت في قسمين؛ الأول يتناول طفولته وبداياته، والثاني يسلّط الضوء على إنجازاته العلمية.
العيش في منزل صغير قرب ميدان "توحيد" وتعلم الرياضيات في سن الخامسة
تحدث شكراللهي في البداية عن طفولته قائلاً: كنا نعيش جميعاً، من أخواتي الكبيرتين وأخويّ الأصغر مني وخوالي وجدي وجدتي، في منزل صغير قرب ميدان توحيد. كان أحد أخوالي يدرس الرياضيات في جامعة شريف التقنية، والآخر يدرّسها. بدأوا تعليمنا الرياضيات منذ أن كان عمري خمس سنوات،
وعرّفوني على مباحث مثل نظرية المجموعات واللوغاريتم والهندسة. كان خالي يعتقد أن الهندسة هي أصل الرياضيات. من حسن الحظ أيضاً أنّ أخواتي الأكبر كنّ يذهبن إلى المدرسة، وكنت أرغب باللحاق بهن. وضع العائلة المادي كان متواضعاً جداً، لكن الجميع أدرك أن العلم يمكن أن يُحسّن حياتنا، وهذا ما عملوا عليه.
أشقائي درسوا في جامعة شريف
يضيف الفائز بجائزة مصطفى (ص): درست أختي الكبرى الرياضيات، ثم انتقلت إلى المحاسبة. أما الثانية فدرست الهندسة الصناعية في جامعة شريف. أخي الأصغر درس الهندسة الكهربائية ثم حصل لاحقاً على الدكتوراه في الرياضيات. وأخي الأصغر الآخر درس الهندسة الميكانيكية وعمل في بناء السفن وقطاع النفط، وهو أيضاً محب للرياضيات. كل واحد منا اتبع ميوله الشخصية. خالنا الذي تجاوز الرابعة والثمانين ما زال يدرّس الأجيال الجديدة.
إلى المدرسة الألمانية في سن التاسعة… والرياضيات والفيزياء شغفي الدائم
يقول شكراللهي: دخلتُ مدرسة المتفوقين في سن الخامسة. وبعد إنهاء الصف الرابع، رأت والدتي إعلاناً لمدرسة ألمانية في طهران. ونظراً لعمل والدي في شركة باير، كان لنا اطلاع بسيط على ألمانيا. خضعتُ لامتحان قبول مدته أربع ساعات، وقُبلتُ للصف الخامس. المدرسة وفرت برنامجاً مكثفاً لتعليم اللغة الألمانية إلى جانب دروسنا الأساسية. ابتداءً من الصف السادس أصبحت الرياضيات والمواد العلمية تدرّس بالألمانية، بينما بقيت المواد الأدبية والدينية بالفارسية. كنت شغوفاً جداً بالرياضيات والفيزياء، على عكس الأحياء التي لم أكن أجيدها أبداً.
ويشرح أن النظام الألماني حينها يعتمد ۱۳ سنة دراسية قبل الحصول على الشهادة النهائية. درس الصفين التاسع والعاشر معاً، ثم الصف الحادي عشر، وكان أصغر من زملائه بسنتين. ومع اندلاع الثورة، طُلب من الطلاب الإيرانيين عدم متابعة الدراسة في المدرسة الألمانية إلا بإعادة الصف الثاني عشر
للحصول على شهادة إيرانية، لكنهم رفضوا. فطُرحت فكرة الذهاب إلى ألمانيا لإكمال الصف الثالث عشر. وفي ۲۲ سبتمبر 1980، يوم الهجوم العراقي على إيران، سافروا إلى ألمانيا، وبعد 11 ساعة من الطيران وخبر الهجوم، تمكنوا بصعوبة من طمأنة عائلاتهم.
منحة في ألمانيا… ونصيحة بدراسة الرياضيات
يقول الفائز في الدورة الثانية لجائزة مصطفى (ص): كنتُ أنوي الحصول على معافاة دراسية، لكن الحكومة كانت تقبل فقط التخصصات الفنية أو الطبية. لذلك فتحتُ دليل التخصصات، فكان أول تخصص فني يبدأ بحرف B هو هندسة الطرق والبناء بالألمانية، فقررتُ أن أدرسه. في السنة الأولى، وبما أنني كنتُ أعرف الرياضيات الجامعية، أخبرتُ الجامعة أنه يمكنهم أن يجروا لي امتحاني الرياضيات 1 و2 من البداية.
حتى ذلك الوقت كنت قد حصلت على منحة من الحكومة الألمانية. تقدمت للامتحان ودرست سنة واحدة. وكانت مؤسسة المنح في ألمانيا تُجري مقابلة سنوية مع الطالب المبتعث لتقييم وضعه. وعندما اكتشفوا أنني اجتزت مادة الرياضيات من دون حضور المحاضرات، سألوني: لماذا لا تدرس الرياضيات؟ فقلتُ: لا أستطيع الحصول على معافاة دراسية معها. فسألوا: هل حصلت فعلاً على معافاة بتخصص هندسة الطرق والبناء؟ فقلت لهم إنني لم أحصل عليها.
فقالوا: إذاً ادرس الرياضيات.
وقد حصلتُ على المعافاة بعد ثلاث سنوات وعدتُ إلى إيران. في ذلك الوقت كنت في الثامنة عشرة من عمري، ثم عدت مرة أخرى في سن التاسعة عشرة..
لم يكن لديّ مشرف… أنجزت أبحاثي بنفسي
شكراللهي شرح أيضاً مسار دراسته الجامعية وقال: ذهبتُ أولاً إلى جامعة كارلسروهه. وبما أنني كنت في السادسة عشرة عندما جئتُ إلى ألمانيا، كنت بحاجة إلى قيّم. أحد موظفي شركة باير، الذي كان يرغب بالعودة إلى ألمانيا،
قال: أنا سأكون قيّماً لهذا الشاب. وبعد حصولي على الشهادة الثانوية، ذهبت إليه، ولحق بي بعض الأصدقاء إلى كارلسروهه وبدأوا الدراسة هناك. وبعد إنهاء الدراسة، كان السؤال: في أي جامعة نتقدّم لمرحلة الدكتوراه؟ أحد أساتذة كارلسروهه، الذي كنت أحب عمله، انتقل إلى بون، فذهبنا نحن أيضاً، وهناك حصلت على الدكتوراه. لكنني أنجزتُ العمل بنفسي، فلم يكن لديّ مشرف، بل أجريت الأبحاث وحدي وحصلت على الدكتوراه.
وأشار إلى شغفه بالرياضيات البحتة، موضحاً: ما كنتُ مهتماً به كثيراً هو أن أتعلّم الرياضيات البحتة أولاً، ثم أستخدمها في الصناعة. الرياضيات التطبيقية غالباً ما تقتصر على الرياضيات العددية، لكنني كنت أريد تحويل الرياضيات البحتة إلى رياضيات تطبيقية. على سبيل المثال، عندما كنتُ طالباً، كنت أعمل أيضاً. ومن بين أعمالي أنني كنت أبيع أعداداً أولية، لأن نظام التشفير الجديد آنذاك، المسمّى RSA، يعتمد على أعداد أولية كبيرة جداً ذات خصائص معينة. أحد أساتذتي في كارلسروهه عرّفني على علم الترميز. وكنتُ على تواصل مع شركات مختلفة كانت تطلب شراء أعداد أولية بخصائص محددة. هذا الأستاذ علّمني كيف أكتب فواتير للشركات، ومن هنا بدأ موضوع إدخال الرياضيات البحتة في الصناعة. وقد أثار هذا الأمر اهتمامي، ومع الوقت وجدتُ مساري العلمي الخاص.
الانجذاب نحو الترميز والتشفير
بحسب ما يقوله شكراللهي، فإن المجال الذي كان شغوفاً به هو نظرية الأعداد. وفي هذا السياق قال: من جهة أخرى تعرّفت على الترميز (Coding) وفهمتُ أن هناك علاقة بين الجبر والترميز. كنت قد تعلّمت هذه المجالات أولاً، ثم لاحظتُ أن مجالين مختلفين من اهتماماتي يرتبطان ببعضهما بعضاً. ومن خلال هذا الارتباط دخلتُ في مساري الشخصي، الذي كان له تطبيقات واسعة في الصناعة. وصولي من الجبر إلى الترميز والتكويد حدث في السنوات الأولى من دراستي للرياضيات، ولم يكن شيئاً حدده لي أستاذ أو مرحلة الدكتوراه.
في البداية كان لديّ أستاذ – للأسف توفي في سن مبكرة – اسمه الدكتور بِت.
أدرك اهتماماتي ورغباتي، وأبدى رغبة كبيرة في العمل معي. وكان هذا الأمر غريباً بالنسبة لي، لأنه كان يعمل معي كثيراً وبشكل وثيق..
استطعنا دمج نظرية الأعداد مع نظرية التشفير
في جامعة كارلسروهه خصّص لي مكتَباً، وأعطاني أحد الأنظمة. كان الحاسوب متوفراً لي بالطريقة التي أحتاجها، وكانت لديّ إمكانية الوصول إليه بشكل دائم. كنت أطرح الأسئلة، وهو يجيبني ويوجّهني حتى كتبتُ أول بحث علمي لي. كان ذلك بين عامي 1985 و1988، وقد بقيت هناك لمدة ثلاث سنوات. كان لدي أيضاً أستاذ آخر في نظرية الأعداد، لكنه مع الأسف توفي.
تمكّنا من دمج نظرية الأعداد مع نظرية التشفير. اكتشفنا وجود أنواع من الترميز، فقال لي الدكتور بِت: «أنت مع ما لديك من معلومات في نظرية الأعداد، يمكنك أن تعمل في هذا المجال».
واصلتُ العمل، وحللتُ بعض مسائله في رسالة الماجستير. ثم انتقلت إلى رسالة الدكتوراه، وحللتُ بقية المسائل، وفي الوقت نفسه استفدتُ من نظرية الحوسبة.
إلى أمريكا… والعودة إلى أوروبا بعد 11 سبتمبر
شكراللهي قال: تزوّجتُ أنا وزوجتي الألمانية في أمريكا عام 1997. في الفترة التي كنا فيها في جامعة بيركلي، ثم ذهبنا إلى "لبز" في نيوجرسي، وبعدها عدنا إلى كاليفورنيا. ثم وقع حادث 11 سبتمبر 2001 وكان الجو في أمريكا غير مريح، فانتقلنا إلى سويسرا لأنها مكان محايد تماماً. كنت أعمل في أمريكا في "لبز"، ثم ذهبت إلى شركة "ديجيتال فاونتن" بصفة عالم شرائح (Chip Scientist). وبعد عودتنا إلى أوروبا كنت أعمل ليلاً لتلك الشركة، وفي النهار للجامعة.
وفي رده على سؤال: هل دخلتَ شركة "ديجيتال فاونتن" في أمريكا ثم لم
تواصل معهم؟ قال: بعد عودتي إلى أوروبا، واصلتُ التعاون معهم لفترة. وفي عام 2009، عندما بيعت الشركة، تعاونتُ لمدة عام مع الشركة الجديدة، وبعد أسبوعين من انتهاء التعاون خطرت لي أفكار جديدة لشركة «کندو» Candoo، ثم أسستُ شركة كندو.
كيف وُلد "الكود الطوفاني" (Tornado)؟
في إجابته عن سؤال آخر حول أنه قبل دخولك "ديجيتال فاونتن" في بيركلي كان هناك موضوع لم يُحلّ وتمكنتَ من حلّه؟ قال: لقد حللنا المسألة في بيركلي قبل ذهابنا إلى "ديجيتال فاونتن"، مع السيد لوبي وعدد من الأشخاص، وسمّيناها "الكود الطوفاني" (Tornado)، وإن كان "الإعصار" اسماً أدق. فعندما تقوم بتصحيح الأخطاء، تلاحظ لفترة أنه لا يحدث شيء ولا يتم تصحيح أيٍّ منها، ثم فجأة تُصحَّح جميعها دفعة واحدة. يشبه الأمر تشكّل إعصار دون أن تلاحظ ذلك، ولهذا سمّيناه الإعصار. كانت خاصية غريبة لم نرَ مثلها من قبل. صمّمنا هذا الكود لقنوات المحو (Erasure Channels). وبعدها دفعناه للعمل مع قنوات أعقد. كان هناك باحثان آخران في مختبرات بل (Bell Labs) يريدان تطويره لقنوات أكثر تعقيداً. وكانا قد قاما بعمل جيد، وعندما وصلتُ قالا لي: هل يمكنك التعاون معنا للتقدم بهذا المشروع؟ والأفكار التي كانت لدينا لكودات المحو ساعدت في تقدّم هذا العمل.
الذهاب إلى المعهد الفدرالي للتكنولوجيا في سويسرا والبحث على كودات “رابتور”
أضاف شكراللهي: بعد ذلك ذهبتُ إلى المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان EPFL، وكنا ما نزال نعمل على "رابتور". كنا نصنع نسخاً مختلفة لزيادة سرعة هذا الكود وتقليل احتمال الخطأ، واستمر هذا حتى عام 2009 حين بيعت الشركة إلى كوالكوم، وبحسب العقد كان يجب أن أعمل عاماً واحداً لكوالكوم. وبعدها وصلنا إلى النسخة 12 من "رابتور" (إن لم أكن مخطئاً، فهي آخر نسخة صنعناها والتي تُستخدم حالياً). وبعد أسبوعين من انتهاء عقدي مع كوالكوم، خطرت لي أفكار جديدة لشركة كندو. كنت جيداً في الأعمال البحثية،لكن شغفي الأكبر كان أن أحل مسألة ذات أهمية في الصناعة.
كان مهماً جداً بالنسبة لي أن تُستخدم كودات رابتور في الصناعة
وعن شعوره حيال الحصول على جائزة مصطفى (ص) قال: مقارنةً بالآخرين، مثل عمر ياغي الذي حصل على جائزة نوبل عام 2025، فأنا قدمتُ أعمالاً أقلّ. ولكن مهما يكن، فقد قدّمتُ عملاً صغيراً. أنا لا أعتقد كثيراً بأن ما أفعله يجب أن يُكرَّم بجائزة. المهم هو أن يُستفاد من إنجازي. كان مهماً جداً بالنسبة لي أن تُستخدم كودات رابتور في الصناعة. الحصول على الجوائز مهم؛ لكنني عادةً أنظر إلى المستقبل أكثر من الماضي. وبالطبع كان الأمر مهماً لعائلتي أن يروا نجاحي؛ لأنهم لم يكونوا في ألمانيا أو أمريكا ليشهدوا أعمالي. ومؤخراً حين كنا في إيران، أرادت زوجتي أن ترى تمثالي في «پارك فناوری پردیس». ذهبنا إلى هناك وقلتُ: جئتُ لأرى تمثالي. فسمحوا لنا بالدخول، وكانت زوجتي متحمسة جداً. التقطت الصور وأرسلتها عبر شبكات التواصل إلى كل العائلة والأصدقاء.
نصيحة لمن يدرسون الرياضيات
وفي رده على سؤال: ما الذي يمكن أن تقوله للذين يدرسون الرياضيات فعلاً، لتغيير نظرتهم إلى الرياضيات البحتة والتذكير بأنها مرتبطة بالصناعة؟ قال: هذا يعتمد على الاهتمامات الشخصية. كثيرون يحبون الرياضيات البحتة لأنها بحتة. لكن إن أرادوا الدخول إلى الصناعة من خلال الرياضيات البحتة، فعليهم أن يكونوا مستعدين لترك كل ما تعلّموه جانباً، والعودة ليصبحوا كطلاب يتعلمون أموراً جديدة. أنا أقول لزملائي في الشركة: عليكم أن تخرجوا من منطقة الراحة. إذا أردتم البقاء في منطقة الراحة، فسيبقى مستواكم ثابتاً في العمل والتكنولوجيا.