من ركام حرب لبنان إلى قمم هارفارد؛ حكاية امرأة صنعت طريقها إلى الطب على ضوء الشمعة

من ركام حرب لبنان إلى قمم هارفارد؛ حكاية امرأة صنعت طريقها إلى الطب على ضوء الشمعة

سامية خوري؛ رمزُ أملٍ وصلَ من أنقاضِ الحرب إلى مجدِ العلمِ العالمي.

بحسب مراسل الشؤون الاجتماعية في وكالة تسنيم للأنباء، في عام 1975، عندما كانت سامية خوري تبلغ من العمر 15 عاماً فقط، غرق لبنان في أتون حربٍ أهلية؛ حربٍ كانت تُغرق حياة الناس في عدم الاستقرار وتُلقي بالمستقبل في ظلامٍ دامس.

إغلاق المدارس، وسفك الدماء في الشوارع، وإصابة والدها إصابةً خطيرة، كلها رسمت واقعاً كان يمكن أن يدفع أي مراهق إلى طريق اليأس والإحباط. لكن بالنسبة لسامية خوري لم تكن هذه الظروف نهاية الأحلام، بل بداية طريقٍ جديد.

حلم أن تصبح طبيبة، الذي ترسّخ في ذهنها منذ أن كانت في الثالثة من عمرها، لم ينطفئ حتى وسط أصوات الانفجارات وأيام انقطاع الكهرباء. كانت تتخيل نفسها ترتدي المعطف الأبيض، والحرب لم تُطفئ هذه الصورة بل جعلتها أكثر وضوحاً. فمشاهد الجرحى والفوضى الناتجة عن الاشتباكات شكّلت في ذهنها دافعاً لصناعة مُنقِذ.

إغلاق المدارس لمدة عام كامل لم يستطع أن يوقف دافع سامية. وبدعم من والديها، أصبحت وسط أنقاض الحرب قدوةً لأخيها وشقيقتيها الأصغر سناً، وواصلت طريق التعليم بحبٍّ للتعلّم. حتى غياب الكهرباء لم يكن عائقاً؛ كانت تدرس ليلاً على ضوء الشموع، بل وكانت تقرأ الكتب الدراسية مسبقاً قبل بدء العام الدراسي.

كانت كل صفحة من كتاب جسراً يقربها من المستقبل، وفي نهاية المطاف قادتها جهودها إلى الحصول على المرتبة الأولى في امتحان القبول الجامعي في لبنان. وكان دخولها إلى الجامعة الأميركية في بيروت منصة انطلاق أوصلتها لاحقاً إلى جامعة هارفارد. وفي عام 1983 انضمت إلى جمعية الشرف الطبية Alpha Omega Alpha، وبعد عام واحد، وبعد حصولها على شهادة الطب، بدأت تخصصها في مجال التصلب اللويحي المتعدد (MS).

بدأ المسار المهني لخوري في مجال علم المناعة العصبية (Neuroimmunology) في وقت كان يشهد نقصاً في العلاجات الفعالة لمرضى التصلب المتعدد. فقد أمضت فترة التدريب والاختصاص في كليفلاند، ثم واصلت زمالتها في كلية الطب بجامعة هارفارد.

في تلك الفترة لم يكن هناك علاج محدد لمرض التصلب المتعدد، وكان هذا الفراغ العلمي دافعاً لها لمتابعة مسارها البحثي بجدية أكبر. وإلى جانبها كان زوجها محمد صائغ، الذي تعرّفت إليه أثناء دراستهما في جامعة بيروت، يلعب دوراً أساسياً في دعمها علمياً وعاطفياً.

وفي عام 2011 عادت سامية خوري مع زوجها، وهما في ذروة إنجازاتهما العلمية والمهنية، إلى لبنان من أجل تطبيق ثمار سنوات طويلة من البحث في جامعة هارفارد داخل بلدهما. وكانت خوري منذ البداية مصمّمة على العودة إلى بيروت بعد إتمام دراستها لخدمة أبناء وطنها.

وفي عام 2021 حصل محمد صائغ على جائزة مصطفى (ص) بفضل إنجازه المهم في مجال تأثير العلاجات الحديثة على تحسين نتائج زراعة الكلى والقلب، الأمر الذي عرّف سامية خوري بهذه الجائزة وأدخلها إلى هذا المجتمع العلمي.

وكانت نقطة التحول في جهود خوري تأسيس مركز متعدد التخصصات لعلاج التصلب المتعدد في لبنان؛ وهو مركز تأسس على قناعة بوجود ارتباط وثيق بين الأضرار الجسدية والنفسية، وأن علاج المرضى يجب أن يقوم على مقاربة شاملة.

في هذا المركز يعمل فريق متخصص يضم ممرضين وصيادلة وأخصائيين اجتماعيين ومعالجين نفسيين، لتقديم رعاية متكاملة لأكثر من ألفي مريض.

ويجري ضمن هذا المركز متابعة تطور المرض، وعلاج الاكتئاب، وعقد جلسات العلاج الفيزيائي، وتقديم الرعاية الداعمة، وكل ذلك في إطار نموذج علاجي متعدد الأبعاد. وبفضل هذا النهج استطاعت خوري تقديم نموذج جديد في علاج التصلب اللويحي المتعدد. وقد قاد هذا النهج المبتكر، إلى جانب جهودها في التعرف على العوامل المسببة للمرض وآليات تنظيمه وتحمله، إلى حصولها عام 2023 على جائزة مصطفى (ص)، مثل زوجها محمد صائغ. ويُعد محمد صائغ وسامية خوري أول زوجين وحتى الآن الزوجين الوحيدين اللذين حصلا على جائزة مصطفى (ص).

وقد لعبت أبحاث خوري، إلى جانب خدماتها العلاجية، دوراً مهماً في تطوير المعرفة العالمية حول مرض التصلب المتعدد. فقد ركّزت على تنوع الأشكال السريرية للمرض، وسعت في دراساتها إلى إيجاد مؤشرات للتنبؤ بتطور المرض.

ومن بين هذه النتائج اكتشاف دور ترقق طبقة شبكية العين لدى المرضى المصابين بالنوع الانتكاسي الهاجع من المرض، وهو ما يمكن ملاحظته عبر تصوير OCT، ويمكن أن يتنبأ بتطور المرض قبل ظهور الأعراض السريرية بما يصل إلى عامين.

كما استخدمت خوري في أبحاثها نموذج EAE  وهو نموذج حيواني مشابه لمرض التصلب المتعدد مما أتاح لها دراسة الآليات الالتهابية والمناعية المرتبطة بظهور المرض بدقة أكبر. وقد مكّنها ذلك أيضاً من تحليل دور العوامل البيئية مثل نقص فيتامين D والتدخين والظروف الجغرافية.

وأظهرت دراساتها أن نقص فيتامين D لا يؤدي فقط إلى انخفاض سرعة المعالجة الدماغية (وفق اختبار SDMT)، بل يرتبط أيضاً بتغيرات ملحوظة في حجم الدماغ، وخاصة في المخيخ.

وبناءً على هذه النتائج، فإن توفير فيتامين D في دول الشرق الأوسط عبر التعرض لأشعة الشمس أو من خلال المكملات الغذائية يمكن أن يساهم ذلك في تحسين بعض الأعراض. ومع ذلك، كانت خوري تؤكد دائماً أن تناول هذا الفيتامين يجب أن يتم فقط بعد تشخيص طبي وتحت إشراف مختص.

وفي ما يتعلق بعوامل الخطر، أكدت أبحاثها أيضاً دور التدخين في تفاقم المرض. فالأشخاص المدخنون يشهدون سرعة أكبر في تطور مرض التصلب المتعدد، كما يتعرض نسيج الدماغ لديهم للضمور بوتيرة أسرع. إضافةً إلى ذلك، أظهرت أبحاث خوري التي شملت خمسين ألف مريض أن العوامل الجغرافية، مثل ضوء الشمس والمناخ، تلعب دوراً في ظهور النوع الثانوي التقدمي من المرض، وأن سكان المناطق الشمالية أكثر عرضة للخطر.

أما على الصعيد الفيروسي، فقد أظهرت دراستها حول فيروس EBV أن المصابين بالتصلب اللويحي المتعدد يمتلكون مستويات أعلى من الأجسام المضادة المرتبطة بهذا الفيروس مقارنة بالأشخاص الأصحاء.

وقد طرحت هذه الدراسات فرضية مفادها أن الخلايا اللمفاوية (B) المصابة بهذا الفيروس قد تؤثر سلباً في أداء الخلايا المناعية عبر جزيئات تُعرف باسم «الإكسوسومات». ومع ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن هذا الفيروس ليس السبب الرئيسي للمرض، بل يرفع فقط احتمالية الإصابة به.

وفي مجال العلاج، فتحت دراسات خوري حول السيتوكينات مثل TGF-β، وأبحاثها المتعلقة بالمستضدات الفموية وإحداث التحمل المناعي، آفاقاً جديدة لتخفيف أعراض التصلب المتعدد ونموذج EAE.

وإلى جانب كل هذه الأنشطة، يبرز الجانب الإنساني في مسيرة خوري أيضاً. فمن منطلق حرصها على مساعدة المرضى محدودي الدخل، تسعى إلى جمع تكاليف العلاج لضمان حصول جميع مرضى التصلب المتعدد على الخدمات الضرورية بغض النظر عن وضعهم المالي. كما أن دورها في إعداد جيل جديد من الباحثين، سواء في هارفارد أو في لبنان، جعل منها شخصية راسخة الحضور؛ شخصية مزجت بين العلم والالتزام الاجتماعي.

لقد بدأت رحلة حياة سامية خوري من قلب ظلام الحرب، لكنها بفضل المثابرة والإيمان بالعلم، لم تُضئ طريقها وحدها فحسب، بل أنارت حياة آلاف المرضى أيضاً. وهي مثال حيّ على أن الأمل قادر على إنارة الطريق حتى في أقسى الظروف.