عندما تحل الجسيمات النانوية محل الممرض: العلاج الذاتي للسكري والسرطان يصبح ممكناً

عندما تحل الجسيمات النانوية محل الممرض: العلاج الذاتي للسكري والسرطان يصبح ممكناً

علنت جاكي إي. يينغ، إحدى رائدات تكنولوجيا النانو في الطب ومؤسسة معهد الهندسة الحيوية وتكنولوجيا النانو في سنغافورة، عن تطوير جسيمات نانوية بوليمرية تستجيب للمحفزات، والتي قد تحدث ثورة في علاج الأمراض. 

 تعتمد هذه التقنية على بنى نانوية متناهية الصغر، قادرة على مراقبة حالة الجسم باستمرار وإطلاق الدواء في الوقت والمكان المناسبين فقط. انطلقت الفكرة الأساسية من تساؤل مفاده: هل يمكن إيصال الدواء إلى الجسم في لحظة الحاجة إليه فقط، وفي الموقع الدقيق، وبالكمية المطلوبة؟ ففي الطرق التقليدية، يتناول المريض الدواء في أوقات محددة دون أن يكون الجسم بحاجة إليه بالضرورة، مما يؤدي إلى الإفراط في الاستهلاك، وانخفاض الفعالية، وحدوث آثار جانبية. أما في الأنظمة الجديدة، فإن الجسيمات النانوية تشخص حالة الجسم وتنشط فقط عند الضرورة.

ولفهم ذلك بشكل أفضل، نأخذ مرض السكري كمثال. في الأنظمة الحديثة، يتم وضع جسيمات نانوية في الجسم تراقب مستوى الجلوكوز في الدم. وكلما ارتفع مستوى السكر، تنشط هذه الجسيمات وتطلق الأنسولين المخزن، وبمجرد عودة السكر إلى مستواه الطبيعي، يتوقف الإطلاق. وتعمل هذه الجسيمات النانوية كممرض ذكي لا يعرف الكلل.

تُصنع البنى النانوية البوليمرية من سلاسل جزيئية مهندسة على مقياس النانو. تقوم هذه البنى بتخزين الدواء بداخلها ولا تطلق محتواها إلا استجابةً لمحفز معين. يمكن أن يكون هذا المحفز هو ارتفاع مستوى الجلوكوز، أو تغير درجة الحرارة، أو تغير درجة الحموضة، أو وجود إنزيمات معينة، أو حتى الضوء والمجال المغناطيسي. وبحسب يينغ، فإن هذه العملية تشبه القفل الذي لا يفتح إلا بمفتاحه الخاص.

أحد أكثر التطبيقات الواعدة لهذه التقنية هو علاج السكري. فالجسيمات النانوية الحساسة للجلوكوز، والمصنوعة من بوليمرات متوافقة حيوياً مثل البولي إيثيلين جلايكول والكيتوزان، تُدمج مع مجموعات حمض فينيل بورونيك. وعندما يرتفع سكر الدم، يحدث تفاعل كيميائي يغير بنية الجسيم النانوي، مما يؤدي إلى إطلاق الأنسولين. ومع انخفاض السكر، تعود البنية إلى حالتها الأولية ويتوقف الإطلاق. تخلق هذه الدورة نظاماً ذاتي التنظيم يزيد من دقة العلاج ويقلل الحاجة إلى الحقن المتكرر.

وعلى الرغم من أن هذه التقنية لم تدخل بعد في العلاجات اليومية على نطاق واسع، إلا أن الأبحاث على نماذج حيوانية أظهرت نتائج واعدة للغاية. وتعمل المراكز العلمية المرموقة في العالم على تطوير أجيال جديدة من هذه النواقل النانوية، لكن مسار التسويق التجاري يتطلب إجراء تجارب سريرية والحصول على التراخيص القانونية اللازمة.

إن أهم ميزة لهذه التقنية هي زيادة الدقة في توقيت ومكان إطلاق الدواء، مما يؤدي إلى تقليل إجمالي استهلاك الدواء، وزيادة فعاليته، وتقليل الآثار الجانبية. ولا يقتصر تطبيق هذه التقنية على مرض السكري فقط؛ ففي علاج السرطان، تنقل الجسيمات النانوية الذكية الدواء مباشرة إلى الورم وتمنع الإضرار بالخلايا السليمة. كما يمكن لهذه النواقل النانوية في الأمراض العصبية أن تعبر الحاجز الدموي الدماغي وتوصل الدواء إلى أجزاء محددة من الدماغ. وعلى الرغم من هذه المزايا، لا تزال هناك تحديات قائمة مثل ضمان السلامة على المدى الطويل، والتراكم المحتمل في الأنسجة، والإنتاج الضخم، وخفض التكاليف.

وفي النهاية، يعتقد الخبراء أن هذه البنى النانوية يمكن أن تكون أحد الركائز الأساسية للطب في المستقبل؛ طب ذكي ومخصص يقوم فيه الجسم بإدارة العلاج بنفسه، ولن يحتاج المرضى بعد الآن إلى من يذكرهم بمواعيد تناول الدواء. إن مستقبل الطب يكمن في جسيمات صغيرة للغاية تراقب حالة الجسم بصمت، وتبدأ العلاج في اللحظة المناسبة.